إنـه هـــــــاني

بقلم : إيمان حامد الوزير


تعالت الصيحات من الشارع القريب تخبر عن دمار جديد ... اقتربت تلك الصيحات من المنزل ... لقد قصفوا مدرسة البنين القريبة!!

كانت تلك الكلمات رصاصات مدوّية في قلب أم هاني ... فسارعت تترك غسيلها المغمور بالماء والصابون ... لا تزال فقاعات الصابون تملأ يديها... لا تدري كيف وصلت إلى الشارع المضطرب.. الناس تجري في كل اتجاه .. والأعين تتجه نحو المدرسة المدمرة ... سحابة سوداء تطل من بعيد .. ودخان ينبعث يغطي المكان .... الانفجار شديد, وأم هاني تلاحق ببصرها جماعات المهرولين ... تحاول أن تسأل عن شيء ما.. لكن لا أحد يجيب ... فالكل يجري .... وبدأت أم هاني بالجري ..

ساحة ماراثونية تتسابق فيها الكلمات المبعثرة والدموع الخائفة... أم هاني تحاكي دموعها بقلب لاهث ... الشارع مليء بالحجارة والإطارات المتفحمة ... بقايا صاروخ الليلة الماضية لا تزال آثاره على أرض  الشارع ... وأم هاني لا ترى شيئاً من كل هذا ..

لقد اقتحم شريط الذكريات لحظات الألم والدموع ليشارك في سباق المارثون اليومي... !!!

إنه هاني!! إشراقة شمس أطلت عليها بعد عشر سنوات من الزواج .. كبر أمام ناظريها كبرعم أخضر أنعش روح البيت بعد سنوات الصمت .. لم تمنحها الأقدار سواه ...

خرجت الكلمات ترتجف مع الألم ...

يا ربي ليس لي سواه !!!

وصمتت الكلمات من جديد لتفسح المجال للدموع المتزاحمة وخفقان القلب الوجل بداخلها لحظات مرّت كدوامات شاطئ غزة ... لم تعد أم هاني ترى شيئا ً... ولا حتى تلك القطعة الإسمنتية الكبيرة ... فتهاوت على الأرض ... لكنها تحاملت ... وأسرعت تنهض بلوعة الأم ... لكنها عاودت السقوط من جديد ....

لم تعد الدموع تجدي مع ألم النفس والجسد .. فأجهشت بالبكاء .. صوت مقهور يفيض من داخلها .. لكنه هاني!!!

استجمعت قواها وعادت من جديد ، مسحت التراب العالق بيديها في ثوبها وعاودت الجري بكل قواها...

إنه هاني !!!

لم تدر كيف وصلت إلى المدرسة المنهارة ... لقد مات كل شيء .. حقائب متطايرة ملأت المكان تبكي حامليها تحت الأنقاض ... بقايا دفتر طار من قوة الانفجار... ظهرت عليه رسمة لخارطة وطن وطائرة ورقية وكلمة أحبك يا فلسطين !!! أقلام متناثرة تحمل بصمات لأيادي صغيرة كانت تحملها... لكن أين هو هاني !!!!

بدأت عيناها تطوفان في المكان بسرعة البرق ... أطفال ناجون قادمون نحوها .. تستقبلهم بفرح .. حمداً لله على سلامتكم ... تمسح وجوههم بيديها كأنها تمتص عنهم رعباً لاح في عيون لم ترتو من طفولتها ..

و لكن أين هو هاني !!؟؟

عادت بنظرات متراشقة .. تركض وتقترب من المكان بقوة ... عمليات الإنقاذ جارية .. ورجال يحملون جثث أطفال محروقة ، تجري نحوهم ...

ربما كان هاني !!!

يهوي قلبها بين قدميها ويعاود في الصعود ....

ليس هو هاني !!!

تزاحم رجال الإنقاذ وسط الأصوات المتلاحقة .. كلمات من هنا و هناك ..

يا إسعاف !!

هنا جريح !!

بسرعة !!

لحظات تسابق نفسها ... طفل جريح تحمله الأيدي فتجري نحوه بلهف ..

وتنادي هاني !!!

هاني !!!

لاااااا ليس هاني !!!

منقذ أخر يخرج من بين الأنقاض وجريح ثان ... وثالث .. ورابع ... لم تعد تدري أين تذهب ... عيناها تلحقان كل شيء ... فتسرع في القفز بين الأنقاض ... لتحتضن كومة حجارة كبيرة .. فتنزلق قدمها وتعلق بين الحجارة ... آلام رهيبة تتملكها ... تصرخ بأعلى صوتها .. أياا ربي أين هو هاني !!!

تحاول سحب قدمها .. لكن الألم يزداد ... تهالكت قواها أمام العجز عن مقاومة الألم ... تحاول النهوض دون جدوى .. و تعاود من جديد و الألم يزداد ...

أي ألم هذا ؟! تصرخ في أعماقها بقسوة تتحدى فيها كل شيء ...

إنه هاني !!!

وتزيح أكوام الحجارة لتخرج قدمها العالقة ... فتنهض ... لتتنفس الصعداء ....

رجل إنقاذ يحمل طفلاً بين الحياة والموت.. لم تر وجهه لكنها تعرف رأسه ... تعرفه جيداً ... كأنه هو هاني ...

تركض كالطفلة الصغيرة .... تسبقها لحظات الألم والخوف ... تخاطب نفسها ... ربما ليس هو .... ربما يكون قد.. مـ.... لاااا يا ربي ....

تسرع بدموعها يعانقها الأمل بالله في لحظات صنعها اليأس من كثرة الحطام ...

حتى وصلت ...

إنه هو ...

هااااااااني .....

هل هو حي يرزق... ؟!

تتعلق عيناها بجسده المغطى بالدماء ... تستجدي منه حركة تبعث الروح إلى قلبها الممزق .. تتلمس جسده براحتيها علها تشعر بنبضة أمل .... قلبها ينفطر.. وتنهمر الدموع ... دون صوت .. دون كلمات .. لكن سباق الماراثون لم ينته بعد ... الأمل يزاحم الدموع .... ولحظات الصمت الممزوج بالدعاء لله العاطي الوهاب... تسبق بها خطوات المنقذ نحو سيارة الإسعاف ... تحاول الركوب معه ... ولكن لا مجال فالضحايا كثيرون ... وعليها الذهاب إلى المستشفى بوسيلة أخرى ... تزداد دموعها ويستمر الماراثون بين الدموع والأمل وفؤادها المعلق بسيارة الإسعاف .... تغيب السيارة عن ناظريها وتبدأ بالجري ... لكن آلام القدم تعاودها ... لن تتمكن من الجري .. تندفع لاهثة بحثاً عن سيارة .. ويلّوح الأمل بسيارة تحمل أهل الضحايا إلى المستشفى ... حتى وصلت ... تقفز من السيارة بقدمها المتورمة .. تشدّ عليها بقسوة كأنها تخاطبها ...

اركضي أيتها القدم ...

إنه هاني !!!

تسري في جسدها رعشة خوف ... لحظات حاسمة ... ماذا سيقول الطبيب لها.. هل مات هاني.... ؟؟!!

أيااااااربي الأمل لا يموت فيك يا أرحم الراحمين !!!!

ينظر الطبيب إليها بنظرات صامتة ... ثم يبتسم ... هناك نبض .... الأمل بالله لا يموت ... وتبقى إرادة الحياة رغم كل الدمار
www.TransAraLingo.com www.TransAraLingo.com